عبد الرحمن بن عبد السلام الصفوري الشافعي
344
نزهة المجالس ومنتخب النفائس
وعن النبي صلى اللّه عليه وسلم لما قيدوا إبراهيم ليلقوه في النار قال : لا إله إلا أنت سبحانك رب العالمين لك الحمد ولك الملك لا شريك لك . قال العلائي : لما أرادوا إلقاءه في النار جاءه عشرة رجال فلم يقدروا على وضعه في المنجنيق فجاءه مائة فعجزوا فجاءه مائتان فعجزوا فقال : أراكم لا تطيقون إلقائي في النار قالوا نعم قال اذكروا اسم اللّه فقالوا على وجه الاستهزاء بسم اللّه الرحمن الرحيم فرموه في النار فعارضه جبريل في الهواء فقال ألك حاجة ؟ قال أما إليك فلا قال ألا تستعين بربك في خلاصك ؟ قال النفس معيوبة فلا تسأل من رب طاهر قال اسأله روحك قال الروح عارية والعارية مردودة قال اسأله قلبك قال القلب له يفعل به ما يشاء قال ألا تخاف من النار قال من أوقدها قال النمروذ قال من حكم بذلك قال الجليل قال فالخليل راض بحكم الجليل فقال اللّه تعالى : يا نارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاماً عَلى إِبْراهِيمَ [ الأنبياء : 69 ] قال الإمام النووي في تهذيب الأسماء واللغات : فبردت النار من المشرق إلى المغرب . ( لطيفة ) موسى عليه السلام خاف من العصا وإبراهيم ما خاف من النار لأن الحية صنع اللّه والنبي يخاف من صنعة الخالق سبحانه والنار من صنعة النمروذ والنبي لا يخاف من صنع غير اللّه تعالى . ( فإن قيل ) إبراهيم حين ألقي في النار لم ينزعج وعند ذبح الولد انزعج . ( فالجواب ) لما ألقي في النار كان نور محمد صلى اللّه عليه وسلم في جبينه وعند الذبح كان النور قد انتقل إلى إسماعيل . وذكر في كتاب أنيس الجليس ادعى جبريل القوة حتى قال من قوتي أقلب السماوات بأنملة واحدة فقال اللّه تعالى : إبراهيم أقوى منك وهو في كفة المنجنيق فنزل جبريل إليه وقال ألك حاجة ؟ قال نعم تكون معي في النار فقال لا أقدر على ذلك فقال إبراهيم : أنا أضرب نار النمروذ بنور التوحيد فرجع جبريل عن دعواه فقالت النار أعمل بالطبع أو بالشرع أي أعمل بطبعي وهو الإحراق أو بالشرع فلا أعمل شيئا إلا بإذنك فقيل لها اعملي بالشرع أي فلا تحرقي منه شيئا فلو لم يقل مولانا جل وعلا وسلاما على إبراهيم لمات إبراهيم من بردها ، ولو لم يقل على إبراهيم لكان بردها على الأبد ، وتقدم في فضل البسملة قدر سنه يوم ألقي في النار وكم أقام بها . قال العلائي : بعث اللّه جبريل إلى إبراهيم عليهما السلام بقميص من الجنة وقال إن ربك يقرئك السلام ويقول لك أما علمت أن النار لا تحرق أحبابي فلما رآه النمروذ وهو بالذال المعجمة سالما قال يا إبراهيم هل تستطيع أن تخرج منها سالما ؟ قال نعم فلما خرج قال نعم الرب ربك لأذبحن له أربعة آلاف بقرة قربانا قال لا يقبل اللّه منك حتى تؤمن به فاستمر على كفره حتى أهلكه اللّه بالبعوض . وقيل لأنه سجد لإبراهيم سجدة واحدة قال اللّه تعالى لو كانت هذه السجدة لي لغفرت له . ( فائدة ) من سنن إبراهيم عليه السلام الختان ، وتقدم في مناقب الحسن والحسين رضي اللّه عنهما وهو أول من اختتن من الرجال وأول من اختتن من النساء هاجر وأول من ثقبت أذنها قال السهيلي : وذلك أن سارة غضبت عليها فحلفت أن تقطع ثلاثة من أعضائها فأمرها إبراهيم بثقب أذنها وخفاضها أي ختانها وكانت هاجر لجبار بالجودي بقرب بعلبك توفيت ولها تسعون